عبد الله بن محمد المالكي
350
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
خنزير ، فأسأل اللّه خيرها » . قال سحنون : « فما لبثنا حتى أقبل رجل ومعه طبق مغطى بمنديل وفيه رطب من تمر تلك القرية ، فجعله بين يدي ابن القاسم وقال له : « ألا تأكل ، أصلحك اللّه تعالى ؟ » فقال له ابن القاسم : « ما لي إلى ذلك سبيل » ، قال : « فأعطه أصحابك » فقال : « أنا لا آكله ، [ فكيف ] « 30 » أعطيه غيري » فانصرف الرجل ، فقال ابن القاسم : « هذا تأويل الرؤيا يا أبا سعيد » . قال : وكان يقال : إن تلك القرية أكثرها أحباس غصبت ، فحماه اللّه عزّ وجل منها لتقاه ودينه . قال : ومرضت بمكة ، فكنت ربما جلست عند ابن القاسم وربما جلست عند أشهب وابن وهب ، وربما جلس ابن القاسم مع أشهب في موضع واحد ، وربما جلست مع أشهب وابن وهب . فجلست يوما مع ابن وهب فقلت له : « يشرب من هذا الماء ؟ - وكان الماء حينئذ بمكة في جلود الطائف بجوار السواري يصب فيه الماء ويملأ ليشرب منه الناس - فأصابني عطش يوما فقلت له : « أشرب « 31 » ؟ » فقال : « لا » فقلت له : « أليس لي في فيء المسلمين سهم ؟ » . فقال لي : « ليس هذا من فيء المسلمين ، إنما هذا الماء مما يأخذونه « 32 » من صدقات الأعراب ، فمنه هذا الماء بمكة » . قال : « ولقد كنت أفتي أنه لا يحل شراء تمر مكة ، لأنها كلها من الصدقات ، حتى كثر فيها الحلال وأنشأ الناس فيها الحيطان ، وصار الغالب عليها ذلك وإن كنت لأتقيه في خاصة نفسي ، ولا أحب أن أضيق بذلك على الناس ، فربما جاءني الرجل يستفتيني عن شرائه فأقول : « جائز » . ذكر أوصافه ومناقبه وفراسة العلماء فيه [ وثنائهم عليه ] « 33 » : ذكر « 34 » أن البهلول كتب إلى عليّ بن زياد كتابا عناية بسحنون أن يسمع عليه ، وكتب إليه : « إني إنما كتبت إليك في رجل يطلب العلم للّه عزّ وجل » . قال : فلما قرأه قال لسحنون : « أين نزلت ؟ » فأخبره . قال : فأخذ عليّ بن زياد الموطأ فأتى به إلى
--> ( 30 ) زيادة للسياق . ( 31 ) في الأصل والمطبوعة : تشرب . بضمير المخاطب . والصواب ما أثبتناه . لأن المتكلم هو سحنون . ( 32 ) في الأصل : يأخذوا . ( 33 ) زيادة من ( م ) . ( 34 ) الخبر في المدارك 4 : 47 والمعالم 2 : 80 .